أبعاد تذكرة القطار (1942)
أثناء إنتظاري في محطة القطار ،أجلس مستندةً على مقاعد الإنتظار ، وقعت عيناي على ماتحمله يداي ،كانت ورقه تمتاز بإنتصاف حجمها تملك ماهية تقاطع طرقات الحياة ، تمتلك ختماً بلون زرقة السماء مُدمجاً بلون غموض الطرق المؤدية إليها ، تحمل تاريخ زمن اليوم الذي سيتعرض له انتظاري ، ومدة عودة إنتظام أنفاسي مجدداً ، كانت تلك الورقة تعرف الكثير عن طريقي أكثر مما يعرفه الشخص الذي بالمقعد المجانب لي ، يتلصص خفية على تذكرة رحلتي ، طريقة إرتدائي ، وهوية ملامحي ، ليحاول فيها أن يصنع حديثاً يقصر به مدة إنتظاره ، ويطيل به من وقتي العصيب ،عاد إنتباهي مجدداً إلى تلك الورقة بين يداي فاامتلئت بالغضب ، كانت تعلم أين سيتحتم علي الجلوس في القطار ، ووقت إنطلاقه، وقت ابتعادي ، رحيلي ، تحركاتي ووقت وقع خطواتي ،كانت تُلزمني بالوقت وتزيد من إختناقي تتربص بأنفاسي أثناء السير ، وعند إهمالي لتفاصيلها التي تنص على الإلتزام بها ، أدركت حينها أن سبب وحدتي وجلوسي هنا هو سبب إقتنائي لها ، والوقوع بين حكمها ، كانت بحوزتي لبضع دقائق ،ولكن الحقيقة كنت بحوزتها تحت تعاليمها فقد كانت تتلاعب بوجهتي تحركني حيث تشاء ، تجعلني أدقق النظر في الساعة متى تشاء ، تجعلني أحرك قدماي توتراً ، تزيد من حدة سمعي وتوقظني أثناء غفوتي ، كانت ترهقني تتلاعب بالزمن وبي ، تجعلني أتعلم قوانينها وما إن أتجاهلها تذكرني بالوعيد الذي صنعته في ملامح القادمين و المغادرين الباهتة و ما إن رفعت بصري عن ضعفها الخادع وقوتها في آن ، حتى أبصرت أنني لست الوحيدة في قبضة تلك الورقة فوجدت شابة جميلة في عمر الزهور، محمرة الخدين كوردة أزهرت بين ربوع الشتاء ، تفرك يديها ببعضهما تبث فيهما أنفاسها المعتقلة داخل صدرها لتدفئ بها إنتظار جسدها البارد والهزيل، الفارغ من الطمأنينة ،كانت ترتدي معطفاً أسود ، ووشاحاً أحمر اللون ذو حياكة يدوية من الصوف ، قامت بصنعه ولفه على عنقها تمرداً و إيماناً بذلك الشخص القادم ، الذي كان سيحيط عالمها بالدفئ بمجرد حظوره ، تلك التذكرة لم تكن تتربص بمن قام بشرائها فقط ،بل كانت تصنع أبعاداً لأحبة علق أحدهما بحبل مشنقتها وجعل الآخر رهينة الوحدة والترقب ، كانت تتحرك ذهاباً وإيابا تتمنى أن يكون القطار دقيقاً بالزمن ، كنبضات قلبها المتسارع خلف الإنتظار .ألقيت بعيناي في إتجاه آخر فوجدت شاباً ، طويل القمة ، ذو ملامح هادئة ، حزينة ،على الرغم من أن عيناه تشيران إلى أن أعماقه مسكونة بأمواج بحر هائجة ، متضاربة ، بسمته صدئة ، مُحيت تماماً عن مرسم شفتيه ، وكأن غيمة سوداء استوطنت و تبددت في أعلى رأسه ،كان داخله يبكي على الرغم من جمود ملامحه التي كانت أشبه بلوحة إرستقراطية تجردت من الحكمة وسُكنت ملامحها بالغضب ، كان يعتصر من شدة ألم قلبه ماتمسكه قبضة يده الساخطة ، لم أكن بحاجة لمعرفة السبب فما تمسكه يدي كان يحمل إجابة ما يقع بين قبضة يديه ، والتي تسبب في ضجة أفكاره ،كان يحاول أن يقطع حبل أفكاره بقبضته المعتصرة وكأنها آخر ماتوصل اليه من حل هو أن تكون تلك التذكرة حاسمة لقرارته ، التي من أجلها دفع ذكريات سنين عمره ليحصل على قيدها الذي يُوجب وينص عليه بالرحيل للتخلص مما في داخله ، لاحظ الشاب طريقة نظراتي الحائرة ولكنه علم أنني لم أكن الوحيدة المحدقة إتجاهه فعدلت عيناي إلى جهة أخرى ، فوجدت عائلة مكونة من أم وطفليها ، كان الجوع ليس ظاهراً على ملامح وجوهم المتسخة والحزينة ، بل كان يُخفى في تلك الثقوب المنسدة بثيابهم ،كانت أعينهم تحكي أسرارً أخفيت في عالم الكبار الخاضع تحت حكم الأنظمة المعقدة ، كانا يدركان أنهما اكتشافا معظم أسرار الكبار التي دفنت في مقبرة الحياة وسُلبت بذلك منهما طفولتهما البريئة ، كانا يحملان بين أيديهم الصغيرة وروداً بيضاء ، بينما كانت والدتهم تقف مترقبة كشجرة تساقطت أوراق خريفها صبراً، وطال بها الموت ترقباً لقدوم الربيع المنتظر علمت بهمساتٍ من الجوار أنها في إنتظار عودة زوجها الذي انقطعت أخباره عنهم بسبب الحرب ، بينما كان هناك في الجهة المقابلة رجل عجوز ، يسأل موظف شباك التذاكر عن وقت وصول القطار الذي يحمل الجيش العائد من ساحة الحرب ، حتى علا صوت صراخ موظف شباك التذاكر مصدراً هلعاً في قلوب العابرين ، فسار العجوز ببطئ مبتعداً عن شباك التذاكر ، حاملاً ماتبقى من كبرياءه المحرج ، كان كطفل قد أساء التصرف على الرغم من شعره الذي أصبح غابة بيضاء اللون ، فلمحت وردة في مقدمة جيبه الأمامي ، وقف وأخذ رافعاً قباعته تحية لوطنه ذاك الذي قام بإرسال ابنه من أجل ترابه وأصبح انتظاره محكوماً ببعد المسافات، كانت عيون المرأة وطفليها تراقب حركة سير العجوز المتباطئة كانت المرأة تشفق عليه وتدعوا الرب أن يقدم لهم العون و ينهي شقائهم الطويل ، ففي لحظة كانوا أشبه بأغراب وفي دقيقة تشاركا قرب الألم خلف رحيل الأحبة لأجل الوطن ، كانت ملامح إنتظارهم تمثل حداد قلوبهم المتعبة ، مرت ساعة و ظل العجوز منتظراً ، ساكناً في مكانه كانت قدماه متصلبة، و ظهره مقوساً من حمل إنتظاره الذي أطال على عاتقه وصنع به ذلك التواضع الراضخ لأقدار الحياة جاعلاً من فخره صموداً على عكازه المتهالك خلف كل نفس يلفظه.وصل القطار إنتهت المسافات دنى المحب الذي كانت في إنتظاره الفتاة ، ولكنه عاد كجسدٍ بلا روح كانت عيناه خالية من أي ردة فعل لحبيبته المنتظرة ،كأن البعد سلب روحه وأعاده كجسد فارغ ،كان ما قد شاهده في ساحة الحرب لايشفع له أن يملك مشاعراً ليحيا بها مجدداً ، تنحى عن طريق قلب حبيبته تركها خلفه وسار في تأرجح مبتعداً عن روحها الهائمة طالباً السلام والعزلة ، بينما صعد الفتى الذي كان يعتصر تذكرة القطار بيده وركب منهياً ومعلناً إنقلاباً تاماً على ذكرياته المتبقية خلفه قاطعاً حبلها بسكين الرحيل ،بينما كانت الأم وطفليها يترقبون ظهور والدهم بين مجمع الحشود المتراكم ، وما إن إنتهى تدفق الرجال العائدين من الحرب علمت أن خريفها لن يزول وسيَلُمْ بها وطفليها ، خريف طويل الأمد ، بينما ظهر ابن العجوز ،والذي ارتسمت على شفتيه ضحكته الفارغة من اسنانه الأمامية وعيناه تملؤها الدموع ، أخذ ابنه بين ذراعيه ، وبدأ بحمد الرب على عودة ابنه .حان وقت صعودي ولكنِ أدركت أنني لست بحاجة لأصنع لنفسي ملامح تليق بإنتصارها الدائم ،ألقيت نظراتٍ أخيرة على تلك الورقة التي طال مكوثها بين يدي ، قمت بتمزيقها قطعه واحدة تلو الاخرى ، نثرتها في الهواء ،حملت حقيبتي وعدت الى حيث كنت .
بقلم: منال الغيث

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق