السبت، 11 مارس 2017

ربانزل ذات الشعر الذهبي


                                      ربانزل ذات الشعر الذهبي




 

قد يتساءل البعض عن سبب إختياري لهذا الاسم  لطالما أحببت أن أمنح الأشخاص بعضاً من الأسماء التي تميزهم بها وربانزل أحد أولئك الأشخاص ،فقد بدأت معرفتي بها قبل ثلاثة أعوام ، كانت تشارك أختي مقاعد الدراسة في الجامعة ، لم تكن تجمٓعني بها أحاديث طويلة لأنها تكبرني بأعوام سوى علاقة أنني أحترمها ،وأُلقي عليها التحية في فترات رؤيتي لها قبل تخرجها ، بعد ذلك جُمعت بها في مكان العمل ، وكم كان الحظ حليفي لمعرفة تلك الروح الجميلة عن قرب ، كنت ألقابها بربانزل فقط كانت تمتلك شعراً طويلاً ذهبي اللون وعينين ملونتين، كانت الإبتسامة لا تفارقها ، وكأنها فرض عبادة تؤديه طوال ساعات اليوم ، حتى في الأيام الذي تتراكم علينا الأعمال ، كنا نتقابل في المصعد، كانت تلقي التحية،  وتبتسم لمن حولنا،  كمن وهب نفسه لأن يكون حليفاً للأخلاق ويُصلب على رايتها البيضاء ، فبأخلاقها كانت لاتتوارى عن مساعدة أحدهم وإن أُغرقت من أعلاها إلى أخمص قدميها بالأعمال ، حينها منحتها هذا الاسم، وتشبثت به،  فقد كانت  أشبه بربانزل التي تسدل شعرها الذهبي من أعلى البرج للآخرين والجميع مرحب به وإن ازدحمت عليها مساحتها الخاصة !
 فبدأت طريقة تسميتي لها من منطلق هذا الاسم تغزوا عقلي ، وكنت أستمتع بمداعبتي لها بهذا الاسم عندما أعلق معها في المصعد ، أو أقابلها في السلالم ،أو في الممرات صدفة أثناء ساعات العمل ، ولكنها كانت تمقت شعرها الطويل الذهبي ، وكانت لاتؤمن بجمال سحر عينيها ما إن ينعكس عليهما ضوء الشمس ، أخبرتها يوماً بأنها فاتنة ، وأنها أبيات قصيدة لشاعر، ولوحة لرسام مبتدئ في ما يرسمه حائر ، و رواية مٌثيرة لمن في غير الأشعار ليس بقارئ ، لكنها لم تكن تعترف بذلك مطلقا، فربانزل لم تكن تُؤمن بجمٓالها أو بجمٓال الأشياء ، ولا بالحب ، الشعر ، الوطن ،لم تكن تؤمن بأي شيء .

يوم الخميس الموافق 9/3/217
جلست  أنا وربانزل نشرب القهوة في فترة إستراحة الغداء ، فقامت بتشغيل الموسيقى في هاتفها لُتريني قائمة ذَائقتها الموسيقية ، فوصلنا إلى أغنية فرنسية ، وبدأت تخبرني عن تاريخ هذه الموسيقى الذي كان يتوافق مع رحلتها إلى تركيا ، وبدأت الأحاديث تأخذ بِنَا إلى الماضي ، ودراسة والديها في فرنسا، وطريقة إنتقالهم ، وعن الحياة كيف كانت سابقاً وكيف أتقنت الفرنسية والإنجليزية في عمرٍ مُبكر،  وكيف حصل والدها على فرصة العمل هنا ، وكيف كانت وفاة والدها العام الماضي أدمت قلبها ، وتسببت بعطل  في مداراته التي اعتزلت الحب، و الكثير مما كنت أعرفه عنها،  وأثناء إسترسالها في الحديث ،كنت أعلم أن هناك من أحزن عينيها الجميلاتين ، فكل ذلك الإحتقان وتلاعب الذكرى الذي حل بها كان بسبب شيء في داخلها يتفاوض على أن يخرج ليصرخ في وجه أحدهم، وأثناء مراقبتي لطريقة حديثها بدأت بالإسترسال وشرح لي الأوضاع ، وماذا حل بالبلاد،  والضرائب ، والإنقلاب الذي حل بعالمها في ليلة وضحاها ، والكثير من المأساة وَمِمَّا لانتصوره سوى بالأفلام  ، عن موت الانسانية  وماذا تسمع  في بلادها،  وكيف هي الحياة بعد ضياع الشام ، ونظرة البعض لها بسبب مشاركتها لهم الأرض قبل الهواء ، والقسوة في عيون ممن لا يحالف في قضيتها حزن الفؤاد ، فااختصرت طريق سير عجلات قافلتها المتهالكة بسؤالي ماذا هناك ؟! من المتسبب في صنع الحزن في عينيك ويحملُ  في داخله كل هذا العداء ؟ فوالله لا أبرح مكاني حتى أعلم من رشقٓ العطر على جُرحك بدلاً عن الدواء ؟

فما إن علمت المُتسبب لم يكن العجب يتملكني ،أخبرتها أن من مجالستي القصيرة  به كنت أرى فجوة الفراغ والهراء الذي تجمعه الأنا في نوعية أولئك الأفراد ، أخبرتها أن من بداخله نقص يبدأ بإستنقاص الآخرين ، فبدأت أشرح لها نظرية هرم ماسلو ، والنقص الذي يعلو الأنا والأنا العليا التي قضيت إجازة صيفية كاملة في دراستها لأتكفل بفهم هذه النظرية من شتى الجهات، فبدأت أنزع لها القشر ، وأعتصر لها الثمر لتروي به داخلها والعديد العديد ، لكن داخلها لم يكن يُنصت سوى للحزن فصوته كان يتلاعب بوصول صدى صوتي إليها  ، لقد حاولت سابقاً أن أمنحها بعضاً من كتب الشعر على الرغم من تاريخ عائلتها الأدبية لكنها لم تكن تقرأ ، أخبرتها أن تضع على الورق ماتراه حزناً يعتصر قلبها لعلها في أحزانها لاتغرق ، هي كانت لصوتي لا تنصت ! لم تكن تؤمن ، ولم تكن تقرأ ، ولا للحزن تكتب .
عندما لم أجد ما أستطيع المساعدة به ابتلعني السكون خانني في حظرتها الكثير ، وخانتني فلسفتي في مطافها الأخير ، تفارقنا فوجدت رسالة منها تقول: 
"أتمنى أني ما أكون ضيقت صدرك على هالويكند ؟"
-لا أبد مطلقاً . 
ولكنني لم أسمع لك فقط بل كنت أنصت بكل جوارحي  ياربانزل ! فعدت للمنزل مُثقلة وكان لا بُد للحزن أن يكتُبٓني فكتبت .
 
يوم الجمعة الموافق10/3/217
4:15 صباحاً .


إلى..... ربانزل

أمهليني وقتاً فما زلت أجلس على  كرسي الحكم مُكبلة اليدين تخذلني في حظرة مشاعرك الأبجدية 

مازالت كلماتِ لاتخرج من كهفها رغبة في كونها أكثر إيضاحاً ومنطقية
 
مازلت أحاول أن أُشيد في رؤيتك بعضاً من الحقيقة المخفية

مازلت أحاول ألا أن أكون عن جميع الحقائق معمية

لا ارغب أن أُفتي في حُكمك وأنا توقفت عن سماع فتاوى شيوخ البلاد وكل العلمانية

أُذناي أصبتها بالصمم وأصبح القلب الِمنهاج  والدليلُ له الإنسانية
 
مازلت أُطالب بجعل بلادي على حائط الحكم زاهية تملؤها ألوان الحرية 

على الرغم ممن جعلها في عينيك كرسام لم يمنح لوحته سوى الفحم وبعض السوداوية

إمنحيني وقتاً يُبعدني عن التفكير بكل ماطرحته من نظرة تشاؤمية ! 

إمنحيني بعضاً منه لأجمع ماقد هُدم في داخلك من بلادك المنسِية

إمنحيني وقتاً فمازلت أنضج في عالم ذبُلت عقول مُفكريه ولم تُشيد بعد بالإستقلالية

فوالله في كل صباح أحياه أنفاسي تطالب بالتمرد على الواقع

ولا تهب لعقلي سوى الأفكار الأشبه برياح موسمية

إمنحيني وقتاً فمازلت أملأ دفاتر أشعاري ببعض من التساؤلات الوجودية

إمنحيني وقتاً فمازال حبري ينزف خلف نضجي لأرى الأمور من منطلق أكثر عقلانية

هجرت السياسة منذ عامين بعد ما رأيت أنها اغتالت روح الماغوط في كتاباته الأدبية

هجرتها بعدأن قال أحمد مطر : لماذا أنا عبدٌ والسياسيون أصحاب قداسة ؟

فقيل له ابتعد عن السياسة فما باله يُطرد من قضيته الفلسطينية !

عندها هجرت الكثير وأكتفيت بنفسي لأتخذ من رؤية الأمور زاوية حيادية

فامنحيني وقتاً لأمسح عن رفي غبار الجنيات والخيال وأجعل من رؤيتي أكثر واقعية 

لأنسى طفولة آمنت بها أن العالم مكان جميل وأن الخذلان فيه من صنع البشرية 

إمنحيني وقتاً ثم أرجوكِ قومي بنٓفى من أحاديث تملؤها القضايا الوطنية

 

 

بقلم :منال الغيث

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق